الشيخ محمد رشيد رضا

231

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

أدل على فساد السريرة وضعف العقل والدين ، وضرره يتعدى لما فيه من تثبيط همم المجاهدين ، أقول : ويدل على اصرارهم ما اجترموه من التثبيط والنهى حين انفصل ابن أبي بأصحابه من العسكر مؤيدين ذلك بالاحتجاج على أنهم فعلوا الصواب وقد دحض اللّه تعالى حجتهم بقوله لنبيه قُلْ فَادْرَؤُا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ قال الأستاذ الامام أي ان هذا القول في حكمه الجازم يتضمن أن علمهم قد أحاط بأسباب الموت في هذه الواقعة وإذا جاز هذا فيها جاز في غيرها وحينئذ يمكنهم درء الموت أي دفعه عن أنفسهم ولذلك طالبهم به وجعله حجة عليهم . وقد يقال : إن فرقا بين التوقي من القتل بالبعد عن أسبابه وبين دفع الموت بالمرة ، فالموت حتم عند انتهاء الأجل المحدود وان طال والقتل ليس كذلك فكيف احتج عليهم بطلب درء الموت عن أنفسهم ؟ قال : وهذا اعتراض يجئ من وقوف النظر فكل يعلم ولا سيما من حارب أنه ما كل من حارب يقتل فقد عرف بالتجربة أن كثيرين يصابون بالرصاص في أثناء القتال ولا يموتون وأن كثيرين يخرجون من المعمعة سالمين ولا يلبثون بعدها أن يموتوا حتف أنوفهم كما يموت كثير من القاعدين عن القتال . فما كل مقاتل يموت ، ولا كل قاعد يسلم ، وإذا لم يكن أحد الأمرين حتما سقط قولهم وظهر بطلانه . وأقول : إنه ذكر في المسألة كلاما آخر لم أكتبه في وقته ولم أفرغ له بعده حتى نسيته . وكل من سمع كلام من لاقوا الحروب يعجب من كثرة الوقائع التي يسلم فيها المخاطرون ويهلك الحذرون ( 169 : 163 ) وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً ، بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ 170 : 164 ) فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ 171 : 165 ) يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ 172 : 166 ) الَّذِينَ